الأحد, 21 أيلول 2014
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 22 تاريخ 1/3/2007 > تلفزيون الواقع: نجاحات واخفاقات
تلفزيون الواقع: نجاحات واخفاقات
ويعتبر برنامج لوفت ستوري الذي اخترعه جون ديمول ويقوم عن طريق شركته بإنتاج ثلاثمائة برنامج في العالم هو النسخة الفرنسية عن برنامج بيغ براذر الهولندي ويدوران في نفس المضمون ولكن بأسماء مختلفة وأشكال متعددة ويشترط لوفت ستوري أن يجمع أحد عشر رجلا وامرأة تتراوح أعمارهم بين 22و28 سنة ولاتجمعهم معرفة سابقة في مكان واسع " حديقة ، منزل ...سباحة " طوال عشرة أسابيع تحت رقابة ست وعشرين آلة تصوير وآلات التنصت سمعية وبصرية ترصد حركاتهم ليلاً ونهاراً على مدار 24 ساعة وتطاردهم في كل مكان، والعيش المكشوف تحت رقابة الكاميرات ويستبعد المشاركون تباعا ليبقى في النهاية ثنائي رجل وامرأة وجائزة الرابح عبارة عن منزل ضخم ثمنه ثلاثة ملايين فرنك فرنسي بشرط أن يتقاسما العيش فيه ستة أشهر متتالية وقد نال لوفت ستوري في فرنسا نجاحا باهرا وخاصة بين أوساط الشباب الذين تثيرهم هذه البرامج غير التقليدية . وقد اختلف النقاد حول ارتفاع شعبية تلفزيون الواقع وسبب نجاحه فمنهم من يرجع نجاحه إلى ظاهرة التقمص النفسي أي التشبه بالغير والرغبة في معرفة الغير وأيضا التسلية والمتعة التي ينشدها المتلقي على الدوام عند مشاهدة أفراد عاديين يعرضون أنفسهم للمشاهد. البعض الآخر أشار إلى أنه انعكاس لمجتمعاتنا التي تعطي قيمة للكلمة وللتعبير الفردي، من جهة أخرى تعرّض تلفزيون الواقع لانتقادات شديدة ولجدل واسع حول مدى جديته فمنهم من اعتبره ترفيهاً جماعياً يخاطب الغرائز وليس سوى انعكاس للفراغ القيمي الذي يعيشه الغرب اليوم موظفا كل القيم الإنسانية للاستهلاك من اجل المال والربح ودار الجدل اكثر حول موضوع نزعة الاستعراء وحب الظهور الذي تثيره هذه البرامج .
فبعد النجاح الذي حققه كل من لوفت ستوري وبيغ براذر اتجهت تلفزيونات العالم لانتاج برامج شبيهة لجذب عدد اكبر من المشاهدين وتحقيق الربح حيث أنتج التلفزيون الأمريكي عدة برامج مثل "جزيرة الإغراء" وتقوم فكرته على إرسال ثمانية أزواج إلى جزيرة بيليز حيث ينتظرهم العدد نفسه من العازبين الذين يفترض بهم إغراء الوافدين وزرع الفوضى والخيانة بين الرجال والنساء . كما أنتجت شركة فوكس الأمريكية لعبة تحت عنوان "مخيم إصلاحي" يصور في مخيم تدريب للكوماندوس ويجمع فيه نحو عشرة شبان وفتيات يخضعون لأقسى التدريبات العسكرية وعليهم تحمل صراخ المدربين وصياحهم في وجوههم ويحرم على المشاركين النوم طوال سبع وأربعين ساعة .
تلفزيون الواقع أو البلاهة كما يطلق عليه البعض غزا كل التلفزيونات ودخل البيوت والشارع والمدارس وغرف النوم وقامت ضده مظاهرات كثيرة وانقسم العالم حول هدفه ولكنه في الأخير فرض نوعا آخر من البرامج على المتلقي تختلف عن البرامج التي تعودنا عليها سابقا، إنها برامج المتعة والتسلية التي تجمع بين الحقيقة والخيال وإغراق المشاهدين في مناقشات حادة بشأن صدق المشاركين ومدى ما يتعرضون له من توجيه وتلاعب .

انهيار تلفزيون الواقع
ولكن هل بدأ تلفزيون الحقيقة أو الواقع يتعرض للاخفاقات والانتكاسات بعد هذه الجماهيرية الواسعة وهل مستقبله مهدد بالانهيار والفشل ، تلك التساؤلات وغيرها بدأت تظهر على الساحة الإعلامية بعد بروز ردود فعل قوية حول ماهية تلفزيون الواقع وأهمية هذه التساؤلات تكمن في أنها صدرت من بعض صناع برامج تلفزيون الواقع أنفسهم ومن قبل باحثين وإعلاميين يعملون في الإعلام المرئي أمثال : كريستوفر دنكلي صحفي ومذيع وناقد تلفزيوني لصحيفة الفايننشال تايمز ، وفكتوريا موبليبك كاتبة ومخرجة تلفزيونية وتدور هذه الردود حول موضوعات عدة فمن جهة يشير المدافعون عن هذا النوع من البرامج إلى أن طابعه الجماهيري الديمقراطي يتيح لهؤلاء المهمشين فرصة جديدة وغير مسبوقة للظهور على شاشة التلفزيون كأبطال ونجوم، و من جهة أخرى ينظر إليه بأنه يقدم خليطا من التفاهة والإباحية ويذهب كريستوفر دنكلي الى ابعد من ذلك ويصفه بتلفزيون الإذلال والمهانة والسبب في رأيه هو تعمده البذاءة ودفع الشرائح الواسعة من الجمهور إلى الغثيان، ذلك أن صناع تلفزيون الواقع يتدخلون علانية من البداية حتى النهاية ويحددون كل شيء بشكل ملائم لغاياتهم كما هو الحال في عروض هزلية والعاب ومسابقات.
وتتساءل "فكتوريا موبليبك" هل عندما تقدم الكاميرا مستويات عدة من الحياة الواقعية هو الواقع أم هو شكل من أشكال الفضائح وهل الشخصيات المشاركة هم شهداء أم نجوم جدد تجيب "موبليبك" في تلفزيون الواقع الآن يتلصص المشاهدون على الموت ومناظر بتر الأعضاء وهو بذلك يغطي الكثير من الأخطاء ويخلق بيئة مصطنعة واضحة ثم يضع فيها الشخصيات ويسجل النتائج.
لقد شاع أن التلفزيون مع الفضاء المفتوح قد جعل العالم قرية صغيرة عالمية وهناك من يعدّ ذلك امتيازاً للإنسان وإثراء لعالمه وهناك من يراه تعاسة وافقاراً لعالمه، لأن التلفزيون في نظرهم يكرس صوراً وسلوكيات نمطية من الواقع ويخلق حالة من التزييف للوعي عند الناس بشكل سطحي ولا يحاول الارتقاء بالذوق العام إلى درجة دفع "برناركلارك" أحد المشاركين في كتاب تلفزيون الحقيقة الذي ترجمه الدكتور أديب خضور ويقدم آراء ومواقف حول تلفزيون الواقع إلى القول بأنه لم يعد واقعيا أو حقيقيا أكثر من وجبة همبرغر وربما اقل منها قيمة غذائية وليس ثمة أي شيء يدعى تلفزيون الواقع أن هذا مجرد درجات مختلفة من عدم الواقعية. ويشير كلارك إلى أن المسلسلات الترفيهية والوثائقية الهجينة الملائمة للسوق الواسعة والمتنكرة تحت قناع شرائح من الحياة الواقعية تبين أنها مخادعة ومضللة أكثر من انتاج وقائعي.
وبعد كل هذا هل يمكن أن ينهار تلفزيون الواقع ويفقد بريقه ؟ وهل نشهد تراجعاً في شعبيته؟ رغم كل الانتقادات التي قالت بأنه ليس سوى مجرد بدعة عابرة في مسار الترفيه وعبارة عن ومضة أو كما سماه البعض بصندوق الخدع أو الإذلال أو كوجبة مستهلكة، إلا أن البث اليومي والمباشر لتلفزيون الواقع يدل على أن هذا النوع بات يشكل سمة لمعظم الفضائيات والشغل الشاغل لملايين المشاهدين خاصة مع تدفق سريع لأنواع جديدة من برامج الواقع ولعل آخرها كان بث وعرض أفلام جنسية وحميمية، تتناول الحياة الخاصة للنجوم دون أن يؤثر هذا الأمر على مستقبلهم المهني بل يصبحون أكثر شهرة ونجومية بعدما يتعرف المشاهدون على تفاصيل دقيقة من حياتهم الخاصة.

تلفزيون الواقع العربي:
غزو إعلامي أم حاجة ترفيهية
حذرت دراسة علمية من ظاهرة الغزو الإعلامي الأجنبي في وسائل الإعلام العربية، وبالذات البرامج الواقعيّة المعربة من البرامج العالمية،من قبيل (ستار أكاديمي) و(على الهوا سوا) و(الرئيس)، في تعميق الانحراف الاجتماعي، وتدمير قيم الشباب الايجابية وهويتهم الثقافية، باتجاه خلق ثقافة إعلامية لا تعتمد على المقاييس الفنية والجمالية بقدر اعتمادها على الجذب والإثارة والإباحية لتسطيح الفكر والحياة، وخلق الوعي المشوّه والمبسط، وهدر الوقت وإضاعته، وأظهرت الدراسة (الغزو الإعلامي والانحراف الاجتماعي: دراسة تحليليّة لبرامج الفضائيات العربية) التي أعدها الدكتور "ياس خضير البياتي" الأستاذ في كلية المعلومات والإعلام والعلاقات العامة بشبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، أن وسائل الإعلام العربية شاركت بدور أساسي في تعميق الغزو الإعلامي الأجنبي، من خلال ساعات البث للمواد الأجنبية، وبروز ظاهرة البرامج الواقعية أو ما يسمى (تلفزيون الواقع) في بعض الفضائيات العربية من دون أن تأخذ بالاعتبار قيم المجتمع العربي وتقاليده وأنماطه الاجتماعية.
ولاحظت الدراسة من خلال الاحصائيات العلمية الجديدة، بأن القاسم المشترك لبرامج القنوات الفضائية العربية هو المادة الترفيهية وأفلام الجريمة والعنف والرعب والجنس، أي أن ثقافة الصورة تطغى عليها أكثر من ظاهرة سلبية تتمثل بالاغتراب، القلق، إثارة الغريزة، الفردية، العدوانية، دافعيّة الانحراف، سلطة المال والنساء، حب الاستهلاك، الأنانية،والتمرد، وكلها مفردات حيائيّة تتأسس في إدراك الشباب وسلوكهم ومعارفهم بحيث تتحول من صورة ذهنية إلى نشاط عملي عن طريق المحاكاة والتقليد وعمليات التطبيع الاجتماعي.
وتوقعت الدراسة أن تنشأ مشكلات اجتماعية بفعل هذه الثقافة الإعلامية، يتأثر الاطفال والمراهقون والشباب بنتائجها السلبيّة، فمن المحتمل أن تخلق برامج الفضائيات العربية الاضطراب الاجتماعي، وعدم الاستقرار في العلاقات العامة الاجتماعية، وتنمية الفردية والروح الاستهلاكيّة، والهروب من التصدي لواقع الحياة، والاستسلام له، وتوطين العجز في النفوس، وإضعاف الروابط الأسرية وقيمها، والانبهار بالموديل الأجنبي على حساب الهوية الثقافية.
لقد تسببت برامج الواقع لدى إطلاقها في الفضائيات العربية بانقسام كبير بين مؤيديها ومعارضيها وشكلت مادة خصبة لكثير من المثقفين على اعتبار هذه النوعية من البرامج المستوردة تكرس أهداف الإمبريالية الثقافية وتقوم على تفكيك القيم الاجتماعية... وتعالت الأصوات في البرلمان البحريني في إيقاف برنامج "الرئيس" الذي أذاعته mbc وبالفعل توقف بعد أن أثار ضجة إعلامية في البحرين. ورغم كل الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى هذه البرامج إلا أن "حسين" يرى أن ما تقدمه القنوات العربية من برامج الترفيه والواقع يأتي نتيجة فراغ ثقافي وكبت اجتماعي يعيشه الشباب. ويضيف " إن مشكلة تلفزيون الواقع أنه لا يستهدف المراهقين والشباب فقط وإنما أفراد الأسرة كافة التي تتحمل أي تأثير سلبي يحدثه تلفزيون الواقع على الشباب ، واعتقد أن الفضائيات التي تبث برامج الواقع هدفها الأول والأخير هو الربح وأسهل طريقة هي جذب الشباب عبر الإثارة والترفيه " وتعلل "بثينة " دوافع انصراف الشباب بهذا الكم الهائل لمتابعة برنامج سوبر ستار أو ستار أكاديمي إلى عناصر الجذب والتشويق بالإضافة إلى حصول الشباب على نوع من الثقة والتفاؤل عندما يشارك في البرنامج ويتفاعل معه لأنه في الحالة الطبيعية يفتقد الإرادة والقدرة لأسباب اجتماعية واقتصادية.. وبمجرد ما تفتح هذه القنوات أبوابها لهم حتى يصبحوا جزءا منها " ولكن ما تأثير برنامج مثل ستار أكاديمي على الحياة الأسرية والزوجية تجيب "أمامة" في بعض المجتمعات العربية وخاصة في السعودية يطلق على ستار أكاديمي بـ"أكاديمية الشيطان" أما سبب التسمية فيعود إلى ترويج أشرطة كاسيت توعوية بأن البرنامج من صنع شياطين الشر في العالم "وتتابع حديثها" إن أخطر ما في البرنامج انه يهدد القيم الاجتماعية ويغير مفاهيم الحياة الأسرية والزوجية فماذا يعني ان يجتمع الشباب والشابات معا لعدة أشهر بحجة الاختبار والمسابقة ما يؤدي إلى إشاعة الغرائز الجنسية واختلاط الحياة العامة بالخاصة.
إن برامج تلفزيون الواقع بنسختها العربية فيها الكثير من الكلام، ذلك لأنها عملية استنساخ مشوهة لما أنتجه الغرب وهو مناسب له، ولابد من المزيد من العمل لإنتاج البرامج التلفزيونية الواقعية النابعة من مشكلات مجتمعنا وهمومه.. عندها يمكن أن يعاد النظر في كل ما قيل عنها.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة