الجمعة, 18 نيسان 2014
مجلة جهينة > أرشيف جهينة > العدد 51 تاريخ 1/8/2009 > الفنان أيمن زيدان:نهاية رجل شجاع شكل انعطافاً في الدراما السورية
الفنان أيمن زيدان:نهاية رجل شجاع شكل انعطافاً في الدراما السورية
يشكل في الدراما السورية كما في العربية حالة شديدة الخصوصية، ومن الصعب أن نتخيل درامانا دون ذلك الحضور الطاغي والمميز له فيها، وباعتراف الجميع له أيادٍ بيضاء عليها كممثل ومخرج ومدير للعديد من شركات الإنتاج، وكمكتشف للعديد من الوجوه الفنية التي مدّ لها يده لتخطو خطواتها الأولى في طريق الفن.. ومن يتابع مسيرته الفنية سيدرك أنه لم يتعامل مع الفن في يوم من الأيام على أنه نزوة عابرة، بل كهاجس وهمٍّ مازالا يدعوانه إلى الاجتهاد والتفكير والمحاولة والعمل الدائم في سبيل مستقبل أفضل للفن في سورية بالدرجة الأولى.. من لا يعرفه جيداً يدهشه ذلك السحر الذي يتمتع به كإنسان، فالنجومية التي يتمتع بها فشلت في أن توقعه في شباكها، ليبقى التواضع أبرز ما يميزه وهو النجم الكبير.. إنه الفنان أيمن زيدان الذي التقته «جهينة» وكان الحوار التالي:

جهينة- أمينة عباس:

تجربتك في الدراما المصرية مازالت متواضعة على صعيد الكم، فماذا تحدثنا عن هذه المحطة في حياتك؟
اقتصرت تجربتي في مصر على ما قدمته العام الماضي من خلال المسلسل الذي كتبه يوسف الجندي عن حكاية سعد اليتيم المشهورة وكان من إخراج سمير سيف، وباعتقادي كان المسلسل أحد المسلسلات الهامة جداً، لأنه كان مشروعاً قومياً ثقافياً وليس فقط درامياً، فهو تحدث عن مصر في مطلع القرن الماضي في فترة حرجة من تاريخها، فقدم بانوراما اجتماعية سياسية واقتصادية لتلك المرحلة تحت عنوان عريض هو مفهوم الولاء الوطني والتجربة الوطنية النضالية، وباعتقادي كان مشروعاً مهماً وتم عرضه حصرياً في بعض القنوات وعلى القناة الأرضية المصرية، ولم أكرر التجربة في الدراما المصرية لأنني أولاً وأخيراً فنان سوري، وما يأتي من تجارب من خارج سورية تبقى تجارب طارئة، لذلك ارتبطتُ هذا العام في دمشق بعدة مسلسلات هي «الدوامة» إخراج المثنى صبح و»قاع المدينة» إخراج سمير حسين و»مرسوم عائلي» إخراج ماهر صليبي.
ما أهم ما يميز الدراما المصرية مقارنة مع الدراما السورية؟
الفرق بينهما يكمن على الصعيد الثقافي وآلية الإنتاج، فالدراما المصرية تستند إلى أسس وبنى تحتية للصناعة، بدءاً من وجود مدن الإنتاج المعروفة ومروراً بمفهوم النجوم وانتهاء بمفهوم صناعة الدراما التي هي في مصر مصدر هام من مصادر الدخل القومي، وهي صناعة بكل ما تحمل الكلمة من معنى وبكل مقوماتها ومعطياتها، في حين أن الدراما السورية وبغض النظر عن وصولها إلى فضاءات بصرية مختلفة ومتمايزة عن الدراما المصرية فهي مازالت مرتهنة لمزاج رأسمال خاص، لو غادرها بين لحظة وأخرى فسوف تقع في مشكلة حقيقية رغم أننا لا ننكر الحضور الطاغي لها والذي أرجعه إلى غياب السينما في سورية واتجاه مخرجيها للدراما محاولين تعويض عطشهم السينمائي بمنطق الصورة.
ولكن يؤخذ على الدراما المصرية أنها تعتمد مبدأ النجم في حين أن الدراما السورية تعتمد على العمل الجماعي والموضوع .
من حيث المبدأ هذه المسألة ليست عيباً بحق الدراما المصرية، فلأنها صناعة فنية فهذا يعني أنها ستعتمد حتماً على وجود النجم وصناعته، فهوليود قدمت أفلام البطل الواحد، والسينما العالمية هي سينما البطل الواحد، ولا أرى أنها مشكلة لأن الأمر مرتبط بطبيعة المشروع نفسه، والدليل أن كل الشباب الذين ذهبوا إلى مصر خضعوا للشروط نفسها، والمهم في الموضوع أن وجود بطولة جماعية في عمل لا يعني دائماً أن العمل جيد، والعكس صحيح أيضاً.
حدثنا عن أسلوبك في التعامل مع الشخصية التي تؤديها؟
بعيداً عن فضاءات وتفاصيل عمل الممثل، أقول إن ما أسعى إليه هو أن يشعر المتفرج أن كل ما يراه من سلوك وأفعال لهذه الشخصية أو تلك أفعال تلقائية، أي أنني أركز على عفوية الأداء، وهذا أشبه بالسهل الممتنع، وهي عملية ليست سهلة التحقيق وإنما بحاجة إلى جهد كبير، مع العلم أن آلية التعاطي مع الشخصية تختلف من ممثل إلى آخر، فكل واحد يمكن أن يتعامل معها بصيغة مختلفة، ولا بد من الاعتراف أن التلفزيون لا يتيح لنا أن نعمل كما في المسرح والسينما، فآليات إنتاجه السريعة لا تعطي الممثل دائماً المساحة الكافية من الوقت ليتعاطى مع الشخصية بالشكل النموذجي، ولكن مع التقادم الزمني يمتلك الممثل حرفية تؤهله لاختصار هذا المشوار الصعب، وأنا في التلفزيون تبقى الحياة مرجعيتي لأن المشاهد يجب أن يشعر دائماً أن هذا الشخص قريب منه، وأن هذه الشخصية موجودة بجانبه تتحرك في فضاءاته الحياتية وأنه جزء من نسيج الحياة الاجتماعية المحيطة به، وأن يبدو كل ما يفعله صادقاً وعفوياً إلى حدّ بعيد، وهذا يحتاج إلى جهد كبير من قبل الممثل يعتمد أساساً على سعيه لأن يكون صادقاً، وهي مرحلة لا يصل إليها إلا بعد مشوار طويل.
هناك رأي يقول إن من يعرفك عن قرب يلاحظ أن العديد من الشخصيات التي أديتَها تشبهك بشكل أو بآخر، وبالتحديد في الأعمال المعاصرة، فهل هذا يدخل ضمن إطار المديح أم الانتقاد؟
بصراحة لا أعتبر هذا الكلام مديحاً، بل هو انتقاد واضح رغم أن روح الممثل، وإن اختلفت الشخصيات التي يؤديها، تبقى مسيطرة على كل ما يقوم به، إلى جانب أن خيارات المخرجين والجهة الإنتاجية تبقى دوماً ضمن بحثهم عن الممثلين الأقرب للشخصية المطلوبة، وهذا الأمر يفرضه منطق التوزيع، فإن كان في العمل شخصية بمواصفات معينة يتبادر إلى ذهن هؤلاء الممثل الفلاني للعب الدور، وبالتالي فإن الدور هو الذي يشير إلى الممثل الذي سيقوم به، ونادراً ما يحصل العكس، والممثل في هذه الحالة وضمن هذه الآليات يحاول قدر إمكانه أن يقدم اجتهاداته ورؤيته للشخصية التي يلعبها، ولكن يبقى إيقاعه الشخصي حاضراً دائماً، وهذا الكلام بالطبع لا ينطبق على جميع الأدوار التي أديتُها، فأنا مثلاً لعبتُ حتى الآن حوالى ستين دوراً أو أكثر، ولا أعتقد أن هناك طاقة بشرية خلاقة قادرة على أن تقدم ستين شخصية مختلفة بالمطلق، ولكن مع هذا يبقى للفنان محطات هامة في مسيرته يبذل فيها جهوداً استثنائية يحاول من خلالها الخروج من جلده ليرتدي جلد الشخصية التي يؤديها.
وماذا عن الأدوار التاريخية في هذا المجال؟ ألا تتيح هذه الأدوار الفرصة للممثل للخروج من شخصيته الحقيقية؟
لا أبداً، فالخروج الشكلاني من الشخصيات أمر في غاية السهولة، وللأسف فإن العديد من الممثلين يعتقدون أنهم استطاعوا أن ينوعوا في أدوارهم عندما غيروا أشكالهم، وهذا خطأ كبير لأن المطلوب هو تجاوز الممثل لذاته، وهذا يتطلب أربعة شروط هي : نص مكتوب لشخصية لا تشبه الممثل في الحياة، وآلية عمل مخرج هدفها الوصول إلى صيغة أفضل للشخصية، وآلية إنتاج توفر للمخرج ظرفاً إنتاجياً يتيح قليلاً من المماحكة الفنية للوصول إلى نتائج مختلفة، والأهم في هذا المجال آلية عمل الممثل نفسه واجتهاده وطموحه.. إلى حدّ كبير، وبتواضع أشعر أنني من الممثلين الذين استطاعوا أن يصنعوا هذه التنويعة، وكنتُ من الفنانين القلائل الذين اشتغلوا في فضاءات مختلفة وبحضور لا بأس به، فكنت من الذين استطاعوا تقديم أعمال كوميدية وأخرى تراجيدية، مع محاولاتي الدائمة ألا أقع في مطب التنميط.
قدمتَ العديد من الأعمال التاريخية، فكيف تقيّم أهمية هذه الأعمال في هذه الفترة؟
لا بد من الإشارة إلى أمرين أساسيين في هذه الأعمال، أولها أنه يجب ألا تعود هذه الأعمال إلى التاريخ بشكل متحفي وإنما أن تعود إليه لتجيب عن أسئلة معاصرة وإلا تحول كل القائمين على العمل التاريخي إلى موثقين ومؤرخين ولا أرى أن مهمتنا في الدراما أن نعيد إنتاج التاريخ من أجل إنتاج التاريخ، وإنما يجب أن يكون التاريخ وسيلة للإجابة عن سؤال معاصر ملح فيكون التاريخ أمثولة للإجابة عنه، ومن المعروف أن التاريخ يحمل الكثير من الدروس والعِبَر يمكن أن نستفيد منها للإجابة عن أسئلة راهنة، فعندما نعود في مسلسل «إخوة التراب-الجزء الأول» للحديث عن التجربة النضالية العربية والسورية في مطلع القرن الماضي، وعندما نعود إلى اتفاقية سايكس-بيكو فإنما لنؤكد أنه لا يمكن الوثوق بوعود الآخر، أما إذا عدنا إلى مسلسل «هولاكو» فلنقول إنه مع غياب توازن القوى في تلك المرحلة لم يسلِّم العرب مفاتيح المدن، وبهذا المعنى فإن العودة إلى التاريخ هي عودة ضرورية جداً، وقد تكون في مرحلة من المراحل مهمة لإثارة الحس الوطني ولنوفي الذين قدموا تضحيات هائلة حقهم.. ومشكلة التاريخ العربي تكمن في أنه ليس هناك إجابة واحدة لأحداثه وإنما إجابات متعددة وقراءات مختلفة، كانت محكومة بمواقف سياسية واقتصادية وحضارية.. من هنا فإن كاتب الدراما التاريخية يختلف عن أي كاتب آخر من حيث اعتماده على الوثيقة التي يتبناها من خلال موقعه الأيديولوجي والسياسي والفكري، وهذا ما يوجهه إلى وثيقة دون أخرى، لذلك فإن من يدّعي أنه يقدم التاريخ بحقائقه المطلقة فهو يقدم التاريخ من خلال وثائق يرى أنها الأقرب لما يراه حقائق.
في فترة من الفترات اعتقد البعض أن تناول العمل التاريخي أو الفانتازيا التاريخية هو ملمح من ملامح هروب الدراما التلفزيونية السورية من الرقابة، فهل كان هذا صحيحاً؟
إن أية قراءة دقيقة تبيّن أن الدراما المعاصرة التي قدمتها الدراما السورية فيها فسحة من تجاوز الرقابة بأضعاف مضاعفة من الدراما التاريخية، فما قيل في مسلسل «يوميات مدير عام» وما قيل في «بقعة ضوء» وما قيل في بعض ملامح «مرايا» فيه من الهامش الديمقراطي أكثر بكثير مما قيل في أعمال تاريخية، ولا أعتقد أن سبب توجه الدراما السورية نحو التاريخ في بعض الأحيان هو الهروب من الرقابة، ولا بد أن نعترف أنه لدى الدراما في سورية هامش ديمقراطي أوسع من أي مكان آخر في الوطن العربي.
كيف تنظر اليوم وبعد مرور عدة سنوات إلى مسلسل «نهاية رجل شجاع» الذي يعتبره البعض أهم ما قدمتَ من أعمال؟
هذا العمل كان منطلقاً للفورة الدرامية الجديدة، فهو يُعتَبَر من كلاسيكيات الدراما السورية التي استطاعت أن تشكل حالة انعطاف، سواء على صعيد مفهوم التمثيل أو مفهوم التعاطي مع الأدب الروائي في التلفزيون أو على صعيد مفهوم الإنتاج الكبير واللغة البصرية بما قدمه من اقتراحات جديدة على هذا الصعيد.. لقد كان المسلسل نقطة انعطاف بدّلت الكثير من القوانين والمعطيات في آلية التعاطي من المنتَج التلفزيوني سواء على مستوى الإنتاج أو المستوى التقني.. لقد كان بداية فتحت آفاقاً تقنية إنتاجية جديدة للدراما السورية.
برعت في الأعمال التاريخية وربما أكثر في الأعمال الكوميدية.. ما هو المطلوب برأيك من النص الكوميدي والممثل الكوميدي؟
يجب أن ندرك أن الكوميديا فن صعب جداً لذلك يمكن لأي شخص منا وببساطة أن يعدد مجموعة كبيرة من نجوم العالم الذين يشتغلون في التراجيديا، ولكن إذا أردنا أن نسأل من هم أهم ممثلي الكوميديا أو مخرجيها فسنجد أن العدد لا يتجاوز أصابع اليدين.. والمشكلة الكبرى في العمل الكوميدي أنه إما أن ينجح أو يهوي، فلا حل وسط في الموضوع، في حين أن العمل الاجتماعي يتحمل أن نقول إنه عمل مقبول إلى حدّ ما.. عندما يفشل الفنان في عمل كوميدي فإنه يحتاج إلى وقت طويل كي ينتشل نفسه ثانية، لأن هناك حالة حميمية تربط بين المتفرج والعمل الكوميدي لا تحصل في أعمال أخرى، والمطلوب من العمل الكوميدي البحث عن كيفية تحقيق هذا التوازن السحري بين الفكرة والابتسامة.. وللأسف فإن معظم القفشات في الكوميديا العربية والتي احتفظنا بها في الذاكرة كانت مفصولة عن النسيج الفكري للعمل.. الكوميديا فن حقيقي، صعب ومعقد، لذلك نرى أن من يتصدى لهكذا مشاريع قلة جداً، ومن يبرع فيها أقل بكثير أيضاً.
كيف تقيّم الأعمال السورية الكوميدية؟
لا شك أن الأعمال الكوميدية الجيدة قليلة، وهذا ليس مثيراً للاستغراب، بل هو أمر طبيعي جداً، وهذا نابع من صعوبة الفن الكوميدي نفسه.. وبالعموم يمكن القول إن الكوميديا السورية في أزمة، وهذا لا يمنع أنه بين الفينة والأخرى يظهر ملمح لعمل كوميدي جيد، لكن هذا لا يكفي وسط هذا الزحام.. إن الكوميديا في أزمة، والمطلوب أن تعطى الأعمال الكوميدية قيمة أكبر، حيث يتم التعاطي معها إنتاجياً وحتى برمجتها على الشاشة وكأنها صنف ثانٍ، علماً أنها أكثر الأجناس الفنية تأثيراً.
ما هي طبيعة العلاقة التي تربطك –عادةً- مع المخرج الذي تتعامل معه؟
لا أؤمن أن الممثل كالببغاء، ولا أؤمن أنه قطعة إكسسوار تحرَّك بما يمليه عليها المخرج لأن الممثل لا يجسد دوراً فقط وإنما يساهم في مشروع فكري ولديه رؤية وله وجهة نظر.. لا أتدخل في عمل المخرج، ولكني أحاوره طويلاً قبل الانطلاق بالتصوير.. وبالنتيجة نحن نتبادل الآراء والحوار، لكنني لست ممثلاً سلبياً، فلي وجهة نظر، ولي دور أساسي في العمل، ولكن عندما أصل مع المخرج -ونادراً ما يحصل هذا- إلى نقطة خلاف حادة فلا بد عندها من احترام تقاليد العمل وأن يخضع الممثل لشرط المخرج باعتباره قائد العمل.
وماذا عن الدور الذي يلعبه الكاتب في هذا المشروع الفكري الذي تتحدث عنه؟
أؤمن بتكامل عناصر العمل الإبداعي، ولكن الشرارة الأولى تنطلق من النص، ولكن وللأسف فإن الدراما التلفزيونية السورية بنجاحاتها الكبيرة استطاعت أن تصدر عدداً من النجوم والمخرجين، ولكنها لم تستطع أن تصدِّر مجموعة من الكتاب النجوم، ففي مصر مثلاً نستطيع أن نشير إلى عدد من المؤلفين الكبار، بينما في سورية لم تستطع الدراما السورية أن تقدم كاتباً نجماً، وقد يكون السبب أن جلّ اهتمامنا منصرف للصورة والفضاء البصري على حساب الجانب النصي والحكائي، والمطلوب إعادة الاعتبار للنص بذرة النجاح الأولى لأي مشروع.
ما رأيك بموجة الدراما البيئية التي تغزو الدراما السورية؟
بصراحة أنا لا أحب أن أجلس في موقع الناقد لتجارب الآخرين، ولكن أحب أن أقول إن الدراما السورية قد انشغلت في فترة من الفترات بالفانتازيا التاريخية والدراما الوطنية أيام النضال ضد الفرنسيين وقيل حينها هذا يكفي، واليوم تتعالى الأصوات للاكتفاء بما قُدِّم من دراما البيئة، وأعتقد أن الحكم في النهاية هو للجمهور، فطالما أنه يتابعها وسعيد بها فالقرار له، وعندما يعلن رفضه لها ستنتهي تلقائياً.
أنت من الفنانين الذين تنتابهم مخاوف كبيرة حول مستقبل الدراما السورية.. حدِّثنا عما يقلقك فيها وما هو المطلوب لتبديدها؟
برأيي أنه آن الأوان لأن نعيد التفكير جدياً بالنجاحات السابقة والراهنة، وباعتقادي فإن الدراما السورية تقوم على أعمدة من قش، إذ يكفي أن نقول إنه إذا غادرت شركتان ساحة الإنتاج أو توقف أصحاب رؤوس الأموال عن الإنتاج، فالدراما السورية ستصبح شبه غائبة.. الدراما السورية لا يمكن أن يستقر نجاحها إلا عندما يتحول التلفزيون السوري إلى قطاع إنتاج درامي يشعرنا كفنانين بالأمان.. الدراما السورية الآن مرتهنة لمجموعة رساميل ولا يمكن لثقافة وطنية أن تكون مرتهنة لمجموعة رساميل.. لستُ مطمئناً على وضع الدراما السورية، وإن مال البعض إلى التغزل بنجاحاتها فأنا مللتُ من هذا التغزل وأقول: آن الأوان لأن نؤسّس لرؤى مستقبلية تضمن النجاح.
بعد غياب طويل وقفتَ على خشبة المسرح كممثل في مسرحية «سوبر ماركت» التي قدمتَها قبل أكثر من عامين.. فما مبررات هذا الغياب؟ وكيف كان إحساسك؟
لا أخفي أنني كنتُ قلقاً وخائفاً ومضطرباً وشعرتُ أنني أقف على خشبة المسرح للمرة الأولى، وهذا شيء طبيعي، فبعد غياب خمسة عشر عاماً أصبح شعوري بالمسؤولية أكبر تجاه الجمهور الذي دفعني لأن أبذل جهوداً جبارة أثناء البروفات، وجعلني أعيش حالة أرق وقلق العرض الأول، ولكن سرعان ما تحررتُ من هذه المشاعر بعد العرض الأول.
هل أزعجك القول بأن جزءاً من نجاح العرض كان لوجود نجوم تلفزيونيين، وعلى رأسهم أنت؟
لم يزعجني أبداً، وأنا كمخرج أرى أن أية وسيلة جذب، تكون شرعية بالنسبة لي، وأدافع عنها وأناصرها بشدة في ظل عدم وجود جمهور للمسرح الرسمي، ومطلوب من الجميع أن يسعى لإعادة هذا الجمهور بوسائل مشروعة، وبالتالي فإن أي شيء يخدم مشروع إعادة العلاقة بين الجمهور والخشبة أعتبره مشروعاً نبيلاً في المحصلة، وأنا أحيي كل نجوم التلفزيون الذين عملوا معي في المسرحية لأنهم بالنتيجة كانوا أحد عناصر الجذب في المسرحية.
مازال مفهوم المسرح الشعبي بين أخذ ورد، فما مفهومك لهذا النوع من المسرح الذي يُنظَر إليه نظرة ريبة في أغلب الأحيان؟
مصطلح المسرح الشعبي كغيره من الاستخدامات الاصطلاحية المغلوطة في القاموس الفني والنقدي، وأنا أرى أن تحقيق الشرط الأساسي للدراما يكمن في شعبيتها ومعرفة كيفية بناء علاقة مع الشريحة المتوسطة وضرورة إعادة هذه العلاقة من خلال المسرح الشعبي الذي يتناول موضوعات شعبية تعبِّر عن مشاكل وهموم يومية بشكل مباشر وساخن وجريء وعميق.. إذاً يتصدى هذا المسرح لمشاكل وأوجاع يومية تهم المواطن.
في ظل ما يردده الكثيرون عن اندثار الجمهور المسرحي نرى أن عروضك قادرة على شدّ الجمهور للمسرح، فما هي الثغرة التي استطعتَ أن تملأها في أعمالك؟
أشير وبكثير من التواضع إلى نقطة قد لا ينتبه إليها أحد وهي أن كل العروض التي قدمتُها في المسرح الرسمي كانت مزدحمة بدرجة متشابهة حتى قبل أن أكون نجماً تلفزيونياً، إذ يحب البعض أن يوحي أن نجاح أعمالي يعود إلى نجوميتي التلفزيونية، والدليل نجاح مسرحية «رحلة حنظلة» التي حققت إقبالاً جماهيرياً كبيراً ولم أكن نجماً وقتها، وبالتالي فإن هذا يزعزع اعتقاد البعض من أن نجاح مسرحية «سوبر ماركت» إنما يعود إلى وجود نجوم تلفزيونيين فيها.. وبالعودة إلى السؤال أرى أن الإجابة عنه تبدأ من معرفة متى يمكن للمتفرج أن يغادر بيته ويقرر ارتياد المسرح وأمامه خيارات لا حصر لها من المحطات الفضائية، وأنا أرى أن الجمهور يريد أن يأتي إلى المسرح ليستمتع وليشعر بأوجاعه وهمومه وتطلعاته، وأن يرى دائماً على الخشبة مواضيع تمسّه بشكل مباشر.. لا أحب أن أخيّب ظن الجمهور في ظل غياب مسرح أساسي هو المسرح الشعبي، حيث لدينا المسرح القومي ومسرح الأطفال، وليس هناك مسرح شعبي نتوجه فيه للشريحة المتوسطة بحيث يكون للمتفرج –كما في كل الدنيا- خياراته لمتابعة ما يهوى ويحب، وهذا لا يعني أن أنزل إلى مستوى المتفرج، ولكن يجب أن يبقى المتفرج حاضراً أمامي، لذلك يترتب على هذه المسألة ملامح للعمل من حيث اختيار النص والمخرج والديكور لأن محاولة إحضار هذا المتفرج أمامي بالصورة التي نريدها هو بداية الرؤية الجديدة للمشروع وللعملية المسرحية، لذلك كنتُ حريصاً على أن يستمتع الجمهور حين يأتي إلى المسرح وأن أمرر له كل ما أريد خارج حدود الجفاء، فالصيغة التي قدمتُ فيها مسرحية «رحلة حنظلة» كانت صيغة شعبية رغم أن الموضوع لم يكن شعبياً، وآليات معالجته غير شعبية وذلك بهدف أن يصل خطابنا إلى الآخر، والثقافة التي لا تصل إلى الآخر هي ثقافة مشكوك فيها وبضرورتها، ويجب أن يصل الخطاب الثقافي لأنه يحمل رسالة، ويجب أن يسعى الكل في صياغة هذا الخطاب ليصل إلى أكبر شريحة دون أن يتغير محتوى الخطاب.. إذاً هي مجموعة وسائل تعتمد على وجود إيقاع حياتي يومي عندما يحمل المخرج هموم الناس بأسلوب لا يخلو من الطرافة وبتشكيلات بصرية تخلق الجانب الإبداعي.. والأعمال الكوميدية عادةً تمزج المعرفة بما هو جمالي، وهذا أكثر تعقيداً بعشرات المرات من الدراما الأخرى، لأن الكوميديا المهمة برأيي هي التي تستطيع أن توازن بين الضحك والفكرة، وإذا مالت كفة الضحك أكثر من كفة الفكرة وقعت في مطب الأعمال الكوميدية الرديئة، وإذا مالت كفة الفكرة سنكون أمام مسرحية هامة تبني علاقة مع الآخر.
تكرر دوماً أن الحب هو الذي يجعلك تعمل في المسرح، فإلى متى سيبقى هذا العنصر هو العنصر الوحيد الذي يحرضك على تقديم الأعمال المسرحية؟
للأسف فإن قوانين وآليات العمل في الإنتاج المسرحي الرسمي قديمة وبالية وغير مؤثرة ولا يمكن أن تخلق مناخاً حقيقياً لحركة مسرحية، وما يقدمه المسرحي من أعمال تقوم في الحقيقة على قدرة العاملين فيها على انتزاع بعض الامتيازات، كما حصل معي في مسرحية «سوبر ماركت» على صعيد الصيغة الإعلانية التي ساهمت بعد تحقيقها في زيادة عدد جمهور العرض، فكسبنا جمهوراً إضافياً أتى إلى المسرح القومي للمرة الأولى.. إن الحب الذي يدفعني باتجاه المسرح لن يتوقف، وأتمنى أن نملك الطاقة دوماً للعمل ضمن هذه الظروف التي لا بد وأن تدفعنا –شئنا أم أبينا- بوتيرة أقل.
ما تقييمك للتجارب المسرحية الشابة؟
هي جهود مشكورة لأن من يعمل في المسرح يعرف أن من يعمل في المسرح يبذل جهوداً كبيرة وعلينا أن نحترمها.. في العموم هي عروض متفاوتة المستوى، وما يحزن أن هذه التجارب بمجموعها لم تستطع أن تشكل حركة مسرحية، أو أن تكون مقدمة لخلق حالة من الحراك المسرحي لتبقى جهوداً متناثرة كالنجوم الصغيرة، ولكنها لا تستطيع أن تلقي بضوئها على المكان.. وهنا أحب أن أحذر من استخدام السينما في المسرح، لأن هذا الاستخدام استباح أساسيات النص المسرحي تحت مسمى التجريب، وأتمنى أن ندرك الفارق بين التجريب والتخريب حتى لا يتحول الأمر إلى فوضى بصرية كما يحدث في الدراما التلفزيونية.
هل تعتقد أن النقد أنصفك؟
لم أنظر في يوم من الأيام إلى موضوع النقد على أنه معركة، فإما أن يكون معي أو يكون ضدي، وكل ما أستطيع قوله إن النقد قد احتفى بما قدمتُه، ولا أنكر وجود العديد من المقالات التي تعارضت مع بعض الأعمال وأنا أحترمها جميعها، ولكنني في الوقت نفسه أستغرب من مقالة مغرقة بالبحث عن مفردات وتراكيب لغوية أكاد لا أفهمها واكتشفتُ من خلالها أن هناك فئة من البشر في حالة عداء مع الضحك الذي وصِفَ بصفات شريرة، والأخطر من ذلك وجود بعض الكتابات التي يتحدث أصحابها بلسان المجتمع، كأن يقال مثلاً إن الجمهور لم يتقبّل مسرحية «سوبر ماركت» كما هو مطلوب، ولا أدري كيف توصلوا إلى هذه النتيجة.. إذاً هناك من يعطي نفسه الحق في الحديث بالنيابة عن الجميع، وأعتقد أن هذا النقد شكل من أشكال استباحة أمكنة لا يجوز التعامل معها بهذه الطريقة.
ما الذي يستهويك في تقديم البرامج التلفزيونية؟
أحاول في تقديمي للبرامج التلفزيونية أن أقدم نفسي بعيداً عن أية شخصية أخرى، قد أكون مضطراً لتأديتها في عمل من الأعمال، فأنا في هذه البرامج أكون أيمن زيدان.
تعليقاتكم
1. البحرين
يونس | 11/11/2009 الساعة 18:25 , توقيت دمشق
مرحبااستاد ايمن زيدان انا من المعجبين بي تمسيلك
2. ايمن رائع
ميمي | 16/2/2010 الساعة 11:41 , توقيت دمشق
واالله الفنان ايمن من افضل الممثلين السوريين بس يا ريت نشوفو بمسلسلات رائعة مثل قبل مثلا مسلسل مدير عام و جميل و هناء وبطل من هدا الزمان كثير مهضومين نحنا بحاجة لهيك ااعمال بس للاسف ما عاد حدا اشتغل هيك اعمال حلوة من بعد ما انسحب المخرج هشام شربتجي من الكوميديا السورية مع ما بعرف ليش
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة